ابن عساكر
173
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
قال أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون « 1 » : كنت يوما في دهليز الدار التي كان أبو عبد الرحمن يسكنها في زقاق القناديل « 2 » ، ومعي جماعة ننتظره لينزل ويمضي إلى الجامع ليقرأ علينا حديث الزهري ، فقال بعض من حضر : ما أظنّ أبا عبد الرحمن إلّا يشرب النبيذ ، للنضرة التي في وجهه والدم الظاهر مع السن ، وقال آخرون : ليت شعرنا ، ما يقول في إتيان النساء في أدبارهن ؟ فقلت : أنا أسأله عن الأمرين وأخبركم . فلما ركب مشيت إلى جانب حماره ، وقلت له : تمارى بعض من حضر في مذهبك في النبيذ ، فقال : مذهبي أنه حرام بحديث أم سلمة عن عائشة : « كل شراب أسكر فهو حرام » « 3 » ، فلا يحلّ لأحد أن يشرب منه قليلا ولا كثيرا . قلت : فما الصحيح من الحديث في إتيان النساء في أدبارهن ؟ فقال : لا يصحّ عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في إباحته ولا تحريمه شيء ، ولكنّ محمد بن كعب القرظي حدث عن جدك « 4 » ابن عباس : أسق حرثك من حيث شئت ، فلا ينبغي لأحد أن يتجاوز قوله . قال : وكان أبو عبد الرحمن يؤثر لباس البرود النوبية الخضر ، ويقول : هذا عوض عن النظر إلى الخضرة من النبات فيما يراد لقوة البصر . وكان يكثر الجماع ، مع صوم يوم وإفطار يوم ، وكان له أربع زوجات يقسم لهن ، ولا يخلو مع ذلك من جارية أو اثنتين ، يشتري الواحدة بالمائة ونحوها ، ويقسم لها كما يقسم للحرائر . وكان قوته في كل يوم رطل خبز جيد لا يأكل غيره ، كان صائما أم مفطرا ، وكان يكثر أكل الديوك الكبار ، تشترى له وتسمّن ثم تذبح فيأكلها ، ويذكر أنّ ذلك ينفعه في باب الجماع . وسمعت قوما ينكرون عليه كتاب « الخصائص » لعلي رضي اللّه عنه وتركه لتصنيف فضائل أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، فلم يكن في ذلك الوقت صنّفها فحكيت له ما سمعت فقال : دخلنا إلى دمشق والمنحرف عن علي بها كثير ، فصنف كتاب « الخصائص » رجاء أن يهديهم اللّه ، ثم صنّف بعد ذلك فضائل أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقرأها على الناس . وقيل
--> ( 1 ) رواه من طريقه المزي في تهذيب الكمال 1 / 155 - 156 والذهبي في سير الأعلام 11 / 197 ( ط دار الفكر ) . ( 2 ) يعني بمصر . ( 3 ) انظر تخريجه في هامش تهذيب الكمال 1 / 156 طبعة دار الفكر . ( 4 ) في مختصر ابن منظور : عن جذل عن ابن عباس . قومنا السند عن تهذيب الكمال ، وانظر ترجمة محمد بن كعب القرظي في تهذيب الكمال 17 / 179 ( ط دار الفكر ) . ومن شيوخه : عبد اللّه بن عباس .